الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
385
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الطريق المفروض من الشرع وإن لم يعلم ولم يظن بمطابقتها المتن الواقع وبعبارة أخرى لا بد من المعرفة بالتكليف وأداء المكلف به على الوجه اليقين أو على وجه منته إلى اليقين من غير فرق بين الوجهين ولا ترتب بينهما نعم لو لم يظهر طريق من الشارع لمعرفتها تعين الأخذ بالعلم بالواقع مع إمكانه إذ هو طريق إلى الواقع بحكم العقل من غير توقف لإيصاله إلى الواقع على بيان الشرع بخلاف غيره من الطرق المقررة وظهر أيضا مما بينا تقرير الشارع طريقا إلى الواقع سوى العلم في معرفة الأحكام ولو مع انفتاح سبيل العلم وهي الأدلة الشرعية بما لا يفيد العلم بالواقع حسبما يجيء تفصيل الكلام فيها في محلها إن شاء الله خامسها في بيان أن الحجة في معرفة الأحكام الشرعية في زمن الغيبة وانقطاع اليد من الرجوع إلى أرباب العصمة وانسداد باب العلم بالأحكام الواقعية هل هي ظن المجتهد مطلقا من أي طريق حصل إلا ما قام الدليل على عدم جواز الأخذ به بخصوصه من غير فرق بين الطرق المفيدة للظن أو أن هناك طرق مخصوصة هي الحجة دون غيرها فيجب على المجتهد الأخذ بها دون ما عداها من الظنون الحاصلة من الطرق التي لم يقم على جواز الأخذ بها بخصوصها حجة وهذه حجة المسألة وإن لم تكن معنونة في كتب الأصول ولا يفرض لبيانها مستقلة أحد من علمائنا المعقول والمنقول إلا أنه لا بد من بنائهم فيها على أحد الوجهين واختيارهم لأحد المسلكين ويمكن استعلام مذهبهم من الرجوع إلى طريقهم وكيفية استنباطهم وملاحظة احتجاجاتهم كما سنشير إليه إن شاء الله وكان كلهم أو جلهم كانوا قاطعين بأحد الوجهين المذكورين حيث لم يعنونوا لذلك بحثا ولا ذكروا فيه خلافا ولا فصلوا فيه قولا مع ما يترتب عليه من الثمرة العظيمة والفائدة المهمة في استنباط الأحكام الفرعية ولما كانت تلك المسألة من أمهات المسائل الأصولية بل كان عليها أساس استنباط الأحكام الشرعية لم يكن بد من تفسير الكلام فيها وإشباع القول في وجوهها أو بيان أدلتها وتميز صحيح المذهب من المزيف منها فنقول إن الذي يستفاد من كلام المعظم هو البناء على وجه الثاني بل لا يبعد دعوى اتفاقهم عليه حيث إنه جرت طريقتهم على إثبات حجية كل من الظنون الخاصة بأدلة مخصوصة ذكروها في باب العدل وبنوا على حجية مطلق الظن لأثبتوا ذلك وقرروه واعتنوا ببيانه ثم بنوا عليها تلك المسائل من غير أن يحتاجوا في إثبات حجية كل منها إلى تجشم ذكر الأدلة بل كان المتوقف على الدليل بعد تأصيل ذلك الأصل الأصيل هو بيان عدم الحجية فيما لم يقولوا بحجيته من الظنون مع أن الأمر بالعكس فإنهم في بيان الحجج يفتقرون إلى الاستناد إلى الأدلة لا في بيان عدم الحجية ولم يعرف منهم الاستناد في الحكم بحجية تلك الظنون إلى القاعدة المذكورة ولو قالوا بها لكان ذلك رأس الأدلة المذكورة في كلامهم وأصله المعول عليه عندهم نعم ربما يوجد الاستناد إليه في كلام آحاد منهم في طي الأدلة على سبيل الندرة كما في النهاية في بيان حجية أخبار الآحاد وذلك مما لا يثبت به المذهب فإن طريقته قدس سره ضم المؤيدات إلى الأدلة والاستناد في كتبه إلى وجوه موهونة لا يقول بحجيتها أحد من الفرقة وإنما يأتي بها تأييدا للمرام أو من جهة إيراد الحجة على المخالفين ممن يقول بحجيته في مثل ذلك ومن هنا توهم بعض القاصرين ذهابه إلى حجية مثل تلك الوجوه ففتح باب الظن عليه وعلى نظائره بأنهم يعملون بقياسات عامية واستحسانات عقلية وليس الأمر كما توهم بل ما يوجد من أمثال ذلك في كلامهم مبني على أحد الوجهين المذكورين كما لا يخفى على من مارس كلماتهم وإسناد القول المذكور إلى العلامة لما ذكر كما يستفاد من بعضهم ليس على ما ينبغي وكذا إسناده إلى صاحب المعالم نظرا إلى ذكر ذلك في طيّ الأدلة على حجية خبر الواحد وعدم تعرضه للمناقشة فيه مع أن كلامه في دفع حجية الشهرة وغيرها صريح في خلافه وكذا الحال في ملاحظة طريقته في العمل بالأخبار وكان مقصوده بالاحتجاج المذكور بيان حجية الظن في الجملة وأن الظن الحاصل من خبر الواحد أولى بالحجية من غيره فيتعين كونه حجة وكيف كان فالقول بعدم حجية الظن إلا ما قام الدليل على حجيته مصرح به في كلام جماعة من القدماء والمتأخرين فمن القدماء السيدان والشيخ ذكروا ذلك عند بيان المنع من العمل بالقياس حيث استندوا بعدم ورود العمل في الشريعة فلا يكون حجة إذ الظن إنما يكون حجة مع قيام الدليل عليه وقد يعزى القول بذلك إلى الحلي والمحقق ومن المتأخرين المحقق الأردبيلي وتلميذه السيد وصاحب الذخيرة فيما حكي عنه وبه نص صاحب الوافية حيث قال بعد ذكر احتجاج القائل بحجية الاستصحاب بأنه مفيد للظن للبقاء وفيه أنه بناء على حجية مطلق الظن وهو عندنا غير ثابت واختار ذلك جماعة ممن حاصرناه من مشايخنا منهم الأستاذان الأفضلان تغمدهما الله برحمته والمختار عند جماعة آخر من أفاضل العصر هو حجية الظن المطلق إلا ما خرج بالدليل منهم المحقق البهبهاني قدس سره وتلميذاه السيدان الأفضلان صاحب الرياض وشارح الوافية وتلميذه الفاضل وصاحب القوانين قدس سرهم ولا نعرف القول به صريحا لأحد ممن تقدمهم نعم وبما يشهر ذلك من الشهيد في الذكرى بل العلامة وصاحب معالم حسبما أشرنا وقد عرفت ما فيه والظاهر أن طريقة الأصحاب مستقيمة على الأول ولذا لا ترى منهم الاتكال على الشهرات ونحوهما مما يقول به القائل بحجية مطلق الظن بل جماعة منهم يصرحون بخلافه حتى إن الشهيد رحمه الله مع استغراب حجية الشهرة لا يعهد الاستناد إليها في المسائل مع كثرتها وحصولها كثير من الخلافيات نعم ربما قد يوجد نادرا في بعض كلماته الاستناد ولا يعرف فيه اتكاله قبل ضم المؤيدات إلى الأدلة هذا وربما يوجد في كلام بعضهم ما يحصل به مخالفة القولين والبناء على فساد الوجهين بدعوى عدم حجية الظن مطلقا في استنباط الأحكام وعدم انسداد سبيل العلم بالتكليف ما دام التكليف باقيا وأن الأخبار المعروفة الواردة عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم مما تناولته الشيعة قطعي الصدور والدلالة وأنها كافية في بيان ما يرد علينا من الفروع المتجددة مفيدة للقطع بحكم الواقعة وهو من الأوهام الفاسدة التي لا يخفى وهنها على من له أدنى مسكة ولا علينا في المقام الإشارة إلى بيان وهنها وإبداء وجوه فسادها إذ ليس ذلك من الأمور المهمة ولا بما يحتاج إلى إعمال نظر وروية ولعلنا نشير إليه في مباحث الاجتهاد والتقليد إن شاء الله وإنما المعقود عليه البحث في المقام هو الكلام في تميز الحق من القولين الأولين وبيان أدلة الجانبين ثم إنه يقوم في كل من القولين وجهان فيحتمل أن يراد من حجية الظن مطلقا كون الحجة بعد انسداد سبيل العلم بالواقع هو الظن فيكون حجية الأدلة عند القائل به منوطة بالظن بالواقع بل لا تكون الحجة عنده إذن إلا